أصحاب المعاهدات
تمام العاشرة صباحا على باب المقاطعة. خطوة إلى الداخل برجلي اليمنى علّ الله يغير من حال هؤلاء القوم و لو ليوم واحد.. العديد من الناس ينتظرون وقوفا كالعادة، فلا وجود لكراسي الانتظار.. البعض يمشي ذات اليمين و ذات الشمال، و البعض الآخر ينفث غضبه في الهواء أو على الأرجح قي أي وجه يقابله.. البعض يسلي نفسه بالنظر كل دقيقة إلى ساعته، و البعض الآخر طوى أوراقه و أعادها لمرات حتى كادت تتمزق..
بعض الموظفين ممن لم يمكنهم نفوذهم من الخروج في هذا الوقت بعد، لازموا أمكنتهم و الغضب قد احتقن بين حاجبيهم، يأخذون الوثائق منك كأنها بلية تبتليهم بها! و يصغون لنصف كلامك، كأنك تضيع وقتهم و أن ذلك مجرد صدقة أو جميل يقدمونه إليك دون مقابل !!
بعضهم كلما قابل إحدى الخدمات المستعصية، أو التي بها ثغرات تمكنهم من إمساك طالبها من معصم اليد، ناداه لزاوية مقابلة و انزوى معه كأنهم بصدد توقيع معاهدة أو اتفاقية من العيار الثقيل! بل من المؤكد هي كذلك!
و من الأمور الكثيرة التي لا تخلوا من الغرابة هنا، أن الناس تنتظر في الخارج بدلا من الداخل على غير العادة ( ليس العادة بالاعتياد بل العادة المفروضة)، فمنتظرهم ليس في مكتبه ليخرج إليهم، بل هو يجول في أرض الله كأن عقد عمله يقضي بأن مكتبه متنقل!
إلى جانب المقاطعة، كأنه بمحض الصدفة دائما، مقهى لا يملئه إلا هؤلاء من موقعي المعاهدات! فالمكاتب لم تعد أمينة لتوقيع مثل هذه الاتفاقيات ! و من تم، فان أصحابنا قد نقلوا كراسيهم إلى هناك! و عليك بدل أن تبحث عنهم في مكاتبهم داخل الإدارة، أن تجدهم بين القاعدين في مقهى المعاهدات! و عليك بالتالي أن تعد نفسك، و يدك و جيبك، و معهم ضميرك على الأخص لإجراء المعاهدة!
صاحبوا النفوذ من أصحابنا، الذين منحتهم تراتبية المجتمع القائمة على أساس " من يحتاج من!"، علموا أن بأيديهم مصالح مجموع مئات من بني وطنهم، و أن عليهم أن يستغلوا هذا النفوذ الذي لا يمنحه لهم إلا منصبهم هذا، داخل منطقتهم هذه!
و من المعلوم أن مجمل المصالح الإدارية من وثائق جماعية لاثباث الهوية أوالسكنى وما إلى دلك، تتطلب موافقة و إمضاء المقدم أو نائبه أوالقائد في الكثير من الحالات! لكن طامتنا ( التي ليست الكبرى لأن هناك دائما ما هو أكبر!) أنه كلما وطئت رجلاك هده الأمكنة رغما عن أنفك و قدمك، تجد أن لا أثر لهؤلاء!
لمدة ليست بالقليلة واظبت على الحضور كل صباح، و الحال على حاله! متى يحضرون و متى يعملون ؟! و حين تسأل عنهم فالجواب دائما هو لقد كان هنا مند قليل! فهؤلاء قد انعدم لديهم الإحساس بالزمن! وتنتظر وتنتظر وتنتظر..والجواب دائما لقد كان هنا !
وعليك بالتالي أن تبحث عنهم في المقهى المجاور، أو أن تجد رقم هاتفهم الخلوي علّ إحدى المعاهدات تنفع معهم!
منطقيا، معه أنه لا وجود للمنطق هنا! فبما أن هذا هو نمط عملهم، و قد صار عادة معتادة، فان عليهم وضع إعلان: " موجود من الساعة 11 إلى 11.30 "، ربما سيكون معقولا و متقبلا أكثر!
ألا يدرون أن هؤلاء المواطنين لديهم أعمالهم و ارتباطاتهم، ألا يعلمون بأن الزمن يقدر بالدقائق و الثواني، و أن كل ثانية لها أهميتها لدى هؤلاء المقهورون و المغلوبون على أمرهم !
أليس لهم ضمير مهني يصحو معهم باستيقاظهم الصبح على الأقل، أو أنه وقع التزام النوم المتواصل بمجرد توقيع عقد العمل!
أليس لهم قلب يحن لحال هؤلاء المنتظرين! شيخ عجوز قد اتكأ على عصاه حتى كادت تنكسر، و عيناه قد خذلتاه و ما من قادم! و لامرأة قد استكانت إلى الأمام تعبا، و ما من كرسي و لا من قادم! و لهذا الذي ترك عمله على رغمه ليتحمل غلبة الانتظار، و قهر الحاجة، و الشعور بغدر المسئولين! و للطالب و دراسته! و للأم و أولادها! و.. و..و..
أما لديكم من ضمير ! !
أما لديكم إحساس ! !
أما لديكم دين ! !
إكرام

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire