خرج مروان من خيمتهم وعيناه مغرورقتين بدموع لم يقوى على قمعها، و كادت تنفجر شهقاته لولا أن تذكر كلمات أبيه قبل أن يميته رصاص العدو اللعين :
" لست بصغير الآن، لقد كبرت، و يمكنك فعل الكثير بدل البكاء و العويل".
كان مروان أصغر بكثير من أن يكبث دموعه أمام منظر الدماء هذا، و أي دماء، دماء والديه.
حاول أن يتذكر كيف اقتحم الجنود خيمتهم بخطى عريضة ترسل صداها عبر المخيم كله، و كيف أمسكوا يد أبيه بكل وقاحة ليفجروا فيه رصاصهم الغادر، ثم ليفعلوا نفس الشيء بأمه التي ماتت لحينها بعدما انطلقت من حنجرتها صرخة طويلة كالعواء هزت كيانه كله.. لم يستطع أمام منظر الجثتان الراقدتان اللتان ران على وجهيهما جمود صامت لا يبشر بيقظة، أن يغالب دموعه، فانكمش في جلسته، و قد رفع ركبتيه إلى صدره، و أسند رأسه إلى الجدار، واحتوى وجهه بيده، و أخذ يبكي بحرقة. حينها سمع تلك الكلمات من أبيه، أتبعها بشهقة صغيرة ثم الموت.
فجأة، بدت له فكرة لم يعد بوسعه أن يكبحها داخل رأسه أكثر، فأسقط يديه إلى جنبيه و حدق بعيدا، و مشى بخطى متثاقلة بقامته الصغيرة، و لباسه الرث المتواضع، فلم يعد السير ليسعف جزعه فأطلق ساقيه للريح، و عيناه تسابقانه إلى بقعة مهدمة، فدنا من الحجارة بساقين متخاذلتين و التقط واحدة منها، واندس بين الأطلال و أطرافه ترتجف على رغمه، ثم ألقى بعينين متحجرتين إلى جندي كان يبعده ببضع خطوات.
فرأى فيه الجندي الذي قتل أمه و أباه..
و رأى فيه جسدا بلا قلب..
فجمع شجاعته و قوته وحشدها في يديه، ثم تقدم خطوتين إلى الأمام و أرسل بالحجر ليستقر في ظهر الجندي، لكن الحجر لم يؤثر أدنى تأثير في الجندي أو على الأصح العدو، الذي رفع يده الثقيلة في الهواء، بعد أن وضع سلاحه على حجر مجاور متكلما كلمات عبرية لم يفهمها، ثم هوى باليد الثقيلة على خذه الصغير، فضاعت الأفكار في طنين شيطاني، لكنها أيقظت فيه فكرة أخرى، فأسرع بخفة منزلقا بين رجلي العدو ليلتقط السلاح بمشقة ويفرغه في صدر العدو الغاشم.
ربما تكون الأحداث غير ذات حبكة، و تكون النهاية أكبر من قدرات صبي صغير، لنقل أنها أحلام… مجرد أحلام !!
إكرام

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire